
تعتبر الكتابة إحدى أهم وأبرز مراحــــل تحول الإنسان الحضاري، وأولى النقلات النوعية التي منحته صفته الإنسانية عبر التواصل الذي حققه هذا الكائن مع سائر الموجودات من جهة ومع البعد الزمني والتاريخي لأسلافه وأحفاده من جهة أخرى حيث أن هذا الربط هو من عوامل التوسع المعرفي للإنسان وتراكم خبراته، ومما يؤكد أهمية الكتابة، هو التصنيف التاريخي الذي أعطاه علماء التاريخ والجيولوجيا للمراحل التي قطعها الإنسان في حياته عبر العصور، حيث يطلق على بعضها عصور ما بعد التدوين أو ما قبله، ولم تسجّل لنا حضارات الأمم السابقة إلا من خلال لغة التدوين والكتابة سواء كانت رمزية، كالرسومات والمنحوتات الأثرية التي أشرفت على جانب هام من تاريخ هذه الحضارات المندثرة أو عن اللغة الكتابية بوسائلها الأخرى، ومنها الكتابة الألفبائية والتي استقرت لاحقًا بعدة أنماط من الحروف قسمت على أثرها هذه الكتابات.
وسواء كان هذا التدوين وهذه الكتابة بالرموز أو بالأحرف وأياً كان التاريخ الذي بدأت منه، فإن هذا الشكل الحضاري للإنسان، أحدث ثورة حقيقية في حياة هذا الكائن الأرضي الذي لم يتوارث مخزونه الفكري إلا من خلالها. وتزداد نسبة التعرف على طبيعة حياة المجتمعات البدائية بقدر قربها من نمط الكتابة الألفبائية، فما وصلنا عن العصور الحجرية هو أقل بكثير بالنسبة للعصور الكتابية نظراً لميزة التعبير التي أعطتها اللغة وصفاً، ونقلاً وتوثيقاً.

بعد أن امتلك الإنسان ناصية اللغة كوسيلة للنقل والتفاهم الإنساني، أخذ يبحث عن آفاقها والتي هي بالأساس آفاقه ورؤاه التي صبها في قارورة اللغة الواسعة فدخل عهد الإبداع في اللغة، وأبدع هذا الإنسان وأنتج روائع أدبية ولغوية اعتبرت إحدى مآثره العظيمة في التاريخ، وبدأ تصنيف هذه الكتابات إلى إبداعية، وأخرى إنشائية، دخلت الموهبة وسيطاً فاعلاً في عملية تطور أدواتها الكتابية.
ومما سبق يمكننا أن نستنتج أن الكتابة أدبية أم علمية، هي وسيلة للإفهام لا للإيهام وبقدر ما يقترب الكاتب من الأسلوب السهل الممتنع تكون قدرته على وضع القارئ في صورة النص المفهوم،وكيفية تعاطيه مع مفردات حياته الإنسانية التي هي الهدف الأول..

لوحة بالخط الكاري – المتحف المصري
يهدف المعرض إلى إبراز كيفية تطور الكتابة بأشكالها المختلفة على أرض مصر، فمن المعروف أن أرض مصر احتضنت العديد من الأقليات المختلفة مثل الفرس، اليونانيين، النوبيين، الآشوريين، العبرانيين، الرومان وغيرهم كثير، وبالتالي فقد كان لكل من هذه التجمعات لغته الرسمية وكتابته المميزة، وقد قام أفراد هذه المجتمعات أو التجمعات بتسجيل كل ما يخصها إما على لفائف البردي، أو تسجيلها على ألواح حجرية. فمعظم النقوش التي تعود إلى العصر المصري القديم قد نقشت على الأحجار، ومنها ما دُون على أوراق البردي، أما النقوش والكتابات العربية فقد دُونت على الرَّق، والبردي، فيما أن هناك بعض النقوش قد دونت على الألواح الخشبية. من هنا جاءت فكرة مركز الخطوط في تنظيم أول معرض نوعي متفرد لعرض كافة الكتابات التي ظهرت على أرض مصر. وبذلك يقوم المعرض برفع مستوى الوعي الثقافي والحضاري لدى فئات مختلفة من شعوب العالم، لأن المعرض يخاطب فئات المجتمع المختلفة.
لوحة بالخط المسماري – المتحف المصري
سوف يتم عرض مقتنيات المعرض من خلال أسلوب البانوراما الحضارية، والتي تعد أحدث وسيلة للعرض مستخدمة في العالم، وهي عبارة عن تسع شاشات عرض كبيرة الحجم، تقوم بعرض بانورامي لمقتنيات المعرض، من ناحية تستخدم وحدات عرض متحركة لعرض القطع الأصلية، بالإضافة إلى لوحات ذات حجم كبير لعرض صورًا وأمثلة للأبجديات المختلفة. كذلك يصدر دليلا مرجعيًا للمعرض، وهو مرجعي علمي محكم يتضمن مقالاً عن كل كتابة أو لغة مصحوبًا بالصور والتوضيحات. هناك أيضًا CD يضم مقتنيات المعرض والكتالوج العلمي